محمد أمين المحبي

41

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية )

فذا أصفى قطرا وديمة ، وذا أوفى قدرا وقيمة . وكان في آخر أمره تنبّه حظّه من نومته ، وسيم من الإقبال التّام بسومته . فولى قضاء الشام ، ونال رتبة يتباهى بها العزّ والاحتشام . وقد رأيته يوم دخوله ، وزحمة الأعين تحول بين التملّى ووجهه ، فرأيت شيخا إذا سار البدر في موكب نجومه ، قيل قد غنينا عنه بتلهّبه . وقد أخلق العمر عمائم ثلاثا في رأسه ، وأشعل للرحيل بهذه النّعشة ذبالة نبراسه . ولم يبق من كأس عمره إلا جرعة ، وبريد المنيّة سائر إليه في عجلة وسرعة . فما حطّ أثقاله بهذا الفنا ، حتى نزل دار البقا وترك دار الفنا . فاللّه ينوّر له الحفيرة والتّربة ، وهو المسؤول أن يؤنس له الوحشة والغربة . * * * وهذا جانب من نثره الفائق ، ونظمه الرائق . أتيت منه بالقليل من الكثير ، فإن محاسنه تزيد على نجوم الفلك الأثير . فمن ذلك ما كتبه إلى مفتى الدولة « 1 » : دروع لشاكى الطعن هذى الرسائل * يردّ بها عن نفسه ويشاغل « 2 » هي الزّرد الضّافى عليه ولفظها * عليك ثناء سابغ وفضائل أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه * وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل

--> ( 1 ) الأبيات الثلاثة التالية للمتنبى ، وهي في ديوانه 364 ، 365 . ( 2 ) في ديوان أبى الطيب : * دروع لملك الروم هذى الرسائل *